سالم بن نجيم البادي
أحرص على حضور خطب الجمعة بانتظام، وفي كل مرة أنتظر أن أجد الجديد فيها، غير أنني غالبًا لا أسمع سوى المواعظ الدينية المعتادة والمكرّرة. ولا شك أن في المواعظ والتذكير بتقوى الله، وفضل الأعمال الصالحة، والحث على العبادة والأخلاق الفاضلة، والجد والاجتهاد والإخلاص في العمل، وحب الوطن والتفاني في خدمته والذود عن حماه، خيرًا عظيمًا وأجرًا كبيرًا، غير أن تكرار هذه المواضيع على مر السنين يبعث شيئًا من الملل والنفور في نفوس المصلين.
خذ- على سبيل المثال- الخُطب المتكررة عن صفات عباد الرحمن، وفضائل العشر الأواخر من رمضان، والعشر الأوائل من ذي الحجة، ومواسم العبادات من حج وصيام وعيد الفطر وزكاة الفطر وعيد الأضحى وتوزيع لحوم الأضاحي، والهجرة النبوية، والإسراء والمعراج، والمولد النبوي الشريف، والاستعداد للموت والحساب والجنة والنَّار. كلها موضوعات جليلة، لكنها متوافرة في كتب المدارس، والدروس الدينية، والمحاضرات، والإذاعة، والتلفاز.
ومع بداية العام الدراسي، نسمع خطبًا عن ضرورة اهتمام الطلبة بالدراسة، ومراقبة أولياء الأمور لأبنائهم، وحثّ المعلمين والمعلمات على بذل الجهد وتحمل مسؤولية تربية الطلبة. لكننا لا نسمع في المقابل حديثًا عن أهمية المحافظة على هيبة المعلم، أو تحسين بيئة المدارس وأوضاع المُعلمين، أو ضرورة تطوير المناهج والامتحانات وطرق التدريس، وهي قضايا لا تقل أهمية.
وكذلك، تتكرر الخطب التي تحث الشباب على استغلال طاقاتهم في العمل والإنتاج، لكن هذه الخطب تتجاهل الحديث عن شُح الوظائف، ووجود أكثر من 100 ألف باحث عن عمل في بلد لا يتجاوز عدد مواطنيه 3 ملايين، وعن التسريح من العمل، واستحواذ الوافدين على نسبة كبيرة من الوظائف، فضلًا عن قضايا الرواتب والتقاعد وهموم المتقاعدين.
ولا تكاد الخطب تلامس هموم الناس اليومية؛ فلا حديث عن الغلاء وجشع بعض التجار، ولا عن الأسر المعسرة وضرورة تحسين أوضاع المستفيدين من صندوق الحماية الاجتماعية، ولا عن ظاهرة الطلاق وضرورة طرحها بشفافية والبحث في أسبابها الحقيقية. كذلك لا تقترب من قضايا البنوك ومعاملاتها التي قد تخالف أحكام الشريعة وتثقل كاهل المواطن بالديون، ولا من الضرائب وتبعاتها على ذوي الدخل المحدود، ولا من بعض القرارات التي لا تلقى قبولًا عند المواطنين.
كما أننا لا نكاد نسمع حديثًا صريحًا عن زكاة أموال كبار الأثرياء وفرضها بالقانون لتخفيف مُعاناة الفقراء، ولا عن قضية مكافحة الفساد، وهي من القضايا الكبرى التي تهم المجتمع.
إن خطب الجمعة بحاجة ماسّة إلى تطوير وتجديد، بحيث تواكب المستجدات وتقترب من قضايا الناس وهمومهم، وتخاطب المؤسسات والجهات المختصة بخدمة الناس، فتدعوها بصدق إلى الإصلاح والاستماع لشكاوى المواطنين. لا أن تكتفي بتلقين المصلين ما يعرفونه بالفطرة أو تعلّموه منذ نعومة أظفارهم. صحيح أن التذكير والوعظ مطلوبان، ولكن ليس من الصواب أن تكون جميع خطب الجمعة على ذات المنوال لعقود طويلة.
لا نُريد من خطب الجمعة أن تثير الرأي العام أو أن تُسبب البلبلة والانقسام حول مسألة أو قضية ما؛ فالمجتمع بحاجة إلى السكينة والوحدة، لكننا نريدها أن تكون واقعية، مؤثرة، قريبة من حياة الناس، تجمع بين التذكير بالله ومخافته، وبين الدعوة إلى معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المواطن يومًا بعد يوم.
ويبقى السؤال مطروحًا: ألا تحتاج خطب الجمعة إلى تطوير وتجديد حتى تقترب أكثر من هموم الناس وقضاياهم؟